من هنا انطلقنا، من أيام طفولتنا وكبرنا.. وبقي المبنى شاباً ونحن كبرنا.
لم يكن مجرد مبنى للنجدة الشعبية، بل كان لنا وطناً حقيقياً، وبيتاً أوسع من حدود السكن. كان الملاذ الآمن الذي هربنا إليه من ضجيج العالم وقسوة الشوارع. هناك، في زوايا ذلك المركز، دفنا طفولتنا وبنينا وعينا؛ أيام كشاف اتحاد الشباب الديمقراطي، والمخيمات التثقيفية التي علمتنا معنى الأرض والقضية.
لقد قضيتُ أكثر من نصف عمري بين تلك الجدران. في كل زاوية لنا حكاية، وفي كل ممر ضحكة أو نقاش سياسي حاد. كان هذا المركز منزلي الحقيقي في اللحظات التي شعرت فيها أنني بلا منزل، أو أنني غريب في هذا الشارع. هل تصدقون؟ إن هذا المكان أعزُّ على قلبي من منزلي الشخصي؛ فلو تهدمت كل بيوتي لما شعرت بهذا الحجم من الوجع والانكسار.
أعرف أننا سنبني الحجر من جديد، فنحن أبناء البناء والعمل، ولكن من سيعيد لنا تلك الروح؟ من يعيد ذكريات الرفاق التي التصقت بمسامات الجدران؟ آخ.. كم كان دوي ذلك الصاروخ موجعاً، لم ينفجر في المبنى فحسب، بل انفجر في قلوبنا جميعاً، محاولاً محو تاريخنا وماضينا وأحلامنا.







